إن العقل هو أعظم عطايا الإنسان وإحدى ظواهر عمله هي ظاهرة (التفكير), ولكن هل من الممكن أن يرقى الإنسان بنمط تفكيره ويعالج عيوبه ليصبح أحسن من ذي قبل في طريقة تفكيره؟!
هذا السؤال الكبيــــــر يجيب عنه السيد الشهيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه) ونحن في الذكرى السنوية لاستشهاده. إن هذا المفكر الكبير يقول إن التفكير مهارة مثل إي مهارة يمكن للإنسان أن يتعلمها ويجيدها كما يتعلم مهارة ركوب (الدراجة) أي أن الأمر ليس مجرد عوامل وراثية تحدد درجة ذكائه ليظل أسير هذا الشيء القدري مدى الحياة دون أي احتمالية لتعديله أو تغيره ... ولكن كيف؟؟؟
لقد طرح السيد الشهيد الصدر عدة طرق في التفكير وفي ميادين ثلاثة رئيسية تهم الإنسان وهي ميدان العلوم الطبيعية والعقائدية و الإجتماعية. إن طرق التفكير في ميدان المادة والعلوم الطبيعية قائمة على أساس الملاحظة والتجربة والتحليل العقلي والرياضي الذي أكسب الإنسان قدرة على معرفة أسرار الطبيعة والتمكن من قوانينها وكيفية الإستفادة منها كأسرع واسطة سفر وأفضل طريقة بناء وأنجع دواء وأسهل وسيلة لاستخراج النفط وأفضل طريقة لفلق الذرة.
لقد إستعرض السيد الشهيد في كتاباته (فلسفتنا)و(الأسس المنطقية للاستقراء)
كيف يمكن لهذا الاتجاه الحسي التجريبي العقلي في البحث في العلوم الماديه الطبيعية واكتشاف نظام الكون أن يقدم دعما جديدا وباهرا للإستدلال على وجود الصانع الحكيم. لقد استطاع هذا المفكر أن يستخدم معطيات الحس والتجربة من ناحية وينظمها عقليا معتمدا حساب الإحتمالات الرياضية أن يثبت وجود الله سبحانه وتعالى وهذا المنهج الجديد في الدراسات العقائدية هو طريقة جديدة في التفكير في هذا الميدان تعتمد العقل والحس والتجربة والإحتمالات الرياضية لإثبات الأساسيات العقائدية في الدين وعلى رأسها وجود الله سبحانه, ويحتاج الباحث في هذا المجال إلى دراسة تحليلية ودقيقة لكتاب (الأسس المنطقية للاستقراء).
أما في الميدان الاجتماعي فالأمر يختلف كليا فطالما كان يشغلني دائما تأمل أحوال الناس من حولي وخاصة مراقبة كيفية تفاعلنا معا كبشر وكيفية تواصلنا مع بعضنا فلماذا لا نستطيع التعايش مع الإختلاف و لماذا نختزل علاقاتنا بالاخرين في من لم يكن معنا فهو علينا؟ إلى متى تظل مقوله (الخلاف في الرأي لا يفسد في الود قضيه )مجرد شعار أجوف أين ذهبت الموضوعية بيننا؟ ولماذا حلت محلها (الذاتية ) أو (الشخصانية)؟ هل الهدوء والحكمة كلمات لم يعد لها مدلول في قواميسنا الحياتية العملية؟لماذا أصبح عنوان حياتنا هو (العشوائية) في كل شيء في الحديث...في العمل...في الرؤية...في النقاش...في مواجهة المشكلات..بل في كل شيء في حياتنا. الأسئلة كثيرة ولا تنتهي والعلة وراء كل تلك الظواهر تكمن في رؤوسنا في عقولنا وكيف نفكر؟! إن المفكر الكبير السيد الصدر يرى أن طريقة التفكير في الميدان الاجتماعي والعلاقات الإنسانية هي أعقد وأصعب بكثير من طرق التفكير في الميدان المادي او العقائدي لأن الإنسان في علاقته بأخيه الإنسان لايبحث دائما عن الحقيقة وعمل الأصلح لأخيه الإنسان بل قد يكون من مصلحته الخاصة أن يستر الحقيقة عن الأنظار فهو إذن ليس موضوعيا بطبيعته مادام الدافع الذي يحثه على العمل هو مصالحه الخاصة سواء كانت مصالح ماليه أو اجتماعيه أو سياسيه . ان السبيل الوحيد لحل المشكلة الاجتماعية في نظر السيد الصدر هو تطوير المفهوم المادي للإنسان والحياة، من هنا لابد من معين آخر ومصدر آخر للتفكير في هذا الميدان غير العقل والتجربة الاجتماعيه ويعمل على تغيير تلك المفاهيم الماديه عن الكون والحياه,وهذا المعين الثالث هو الله, هو الدين, هو الوحي, وهو المصدر الثالث من مصادر التفكير في الميدان الاجتماعي يضاف إلى العقل والتجربة الإجتماعية. فإذا كان العقل الفطري يتطلب من الإنسان أن يقدم مصالحه الذاتية على مصالح المجتمع اعتمادا على فطرته وحبه لذاته, فإن الدين جعل الإنسان يؤمن بأن حياته خلقها الله وان الدنيا مرحلة للوصول لله ورضاه. فليس كل ماتفرضه المصلحة الشخصية جائز ولا كل ما يؤدي إلى خسارة شخصية هو حرام, بل الهدف الرضا الإلهي وهو هدف الإنسان في مسيرة حياته. وبتعبير آخر ان الدين يضع للإنسان في الميدان الاجتماعي طريقة في التفكير والعمل توحد بين حب الإنسان لذاته وحبه و إيمانه بالله وطلبه رضاه ليضمن السعادة والرفاه والعدالة في حياته.
