لا تزال بعض الصحف تطالعنا بمآسي الضعفاء وانكسار قلوب المساكين ’ لا تزال تطبع حرمان الصغار وتصور البهجة التي سرقت من أعينهم , لا تزال تعرض لنا عجز أرباب الأسر عن مداواة فقرهم المحدق بعوائلهم, ولا نزال نقلب مآسيهم في صفحاتها نطوي صفحة ومعها نطوي آلامهم ونقلب صفحة أخرى لنقلب آمالهم التي نشروها عسى أن يكون هناك من يشاركهم تحقيق أحلامهم بعد أن عجزوا عن تحقيقها بمفردهم مع ضنك العيش وانتشار المخلوقات البشرية المفترسة.
أسر معدمة كثيرة وجدت ضالتها في قلوب من تأخذهم الرحمة لسبل العطاء ومد يد العون حين بثت همومها للناس على أوراق الصحف والمجلات , وما خفي من أعداد تلك الأسر أدهى وأمر , بل ما خفي من أعداهم هي المصيبة الكبرى , وحدها الصحف لا تكفي للأخذ بيد الفقراء وربط جسور العطاء بين المجتمع وتلك الأسر البريئة , وحدها الصحف لا تستطيع أن تحصر كل حالات العوز والفقر التي تنخر في بيوت المعدمين والمحتاجين , ليتسلل معها الجهل والأمراض في بيئتهما المحببة .
في مجتمع كمجتمعنا تتأصل فيه القيم الدينية وتنتشر فيه حملات العلم وصولات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , في مجتمع كمجتمعنا غرست في أرضه بذور الإسلام وسقيت ولا تزال تسقى من منارات الحرمين الشريفين , في مجتمع عد مهدا للحضارة الإسلامية ومنبعا للقيم التي قاوم أهلها التنازل عنها أو تشويهها والتخلي عنها , في مجتمع من الله عليه بالخير , فاستقطب سكان الأرض لطلب الرزق على أرضه , في مجتمع توفرت فيه كل عوامل الحياة الكريمة والنجاح الاجتماعي لكنها لم تترجم لتحقيق ما أوجدها الله لأجله لتعصف النسمات بكل ادعاءات التلاحم والترابط وتكشف ومضات الكاميرات أن كتبنا في الأعمال الخيرية والتطوعية ما هي إلا قصاصات أوراق سال حبرها مخلفا إياها عارية تعبث بها أنامل الطمع والجشع وحب المال والتكاثر ,ما خدعتنا به المدنية الزائفة ببهرجتها وأنوارها لم يكن ليخدع من عاش متجرعا التهميش والتهويش وأحس بخسة النظرات ورتابة الخطابات على الأوراق فارتكن في العراء وحده يتجرع الأمرين .
ما يطفو على سطح الإعلام بين ليلة وضحاها من معاناة الناس وكدر العيش من أجل توفير ما يمكن توفيره في سبيل حياة كريمة لعائلة أضناها العوز والفقر , وأعيتها خطوب الأيام وتصاريفها , وأنهكها تفرس التجار و ظلم مكاييل المطففين , فلا مسكن يقي حرارة الشمس ولا سقف يكف أمطار الشتاء , ناهيك عن المأكل والمشرب والملبوس من الثياب في مجتمع لا يعير وزنا للناس إلا بقيمة ما يلبسون و ما يركبون وما يملكون , في ظل افتقار الجمعيات الخيرية عن توفير كل تلك المعطيات للأسر المحتاجة ,ما تقدمه وسائل الإعلام يجب أن يكون أنموذجا للكثير من الأسر التي يجب البحث عنها ومد الأيدي لها بدلا من الإشارة نحوها.
حينها نصون لأنفسنا احترامها ونحفظ لمجتمعنا ماء وجهه بدلا من ضرورة إراقته لاستجداء الناس حين يغط الناس في غفلتهم وتنحيهم عن واجبهم الديني والإنساني والاجتماعي تجاه من حرمناهم حقهم في الحياة وصادرنا ابتساماتهم من جيوبهم
