الإعمار وتشييد الحضارة حسب مواصفات رب السماء عز وجل على الأرض، هي من أهم الأهداف الأساسية لنزول الإنسان على وجه الأرض، كما ان من أهداف إرسال الأنبياء والرسل ونزول الرسالات السماوية ومنها القران الكريم توجيه الإنسان لإعمار الأرض وإقامة الحضارة وبناء الإنسان وتنظيم العلاقة بينه وبين خالقه وما حوله قال تعالى: ﴿ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾.
فالإنسان خليفة لله على الأرض، والاستخلاف هو من أهم المسؤوليات التي تحملها الإنسان لإدارة شؤونه وتحقيق السعادة للبشرية، وهو كذلك من أعظم الأهداف التي أرادها الله سبحانه وتعالى للإنسان. قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿ وإذ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾. فإعمار الأرض هو مسؤولية مشتركة بين البشر جميعا من جميع الأعراق والقوميات والألوان والأديان، ولكل إنسان دور في الاستخلاف والإعمار وبناء المجتمع الواعي الحضاري لتشييد الحضارة، ولا يتحقق ذلك بشكل صحيح إلا من خلال بناء الذات بشكل صحيح وسليم في جميع المجالات، وبناء العلاقة بينه وبين من حوله من الناس، علاقة قائمة على المحبة والاحترام والتسامح والتعاون مهما كان الاختلاف في الديانة واللغة واللون، وبناء العلاقة مع الطبيعة عبر الاهتمام والعناية والحماية والمحافظة على البيئة لأنها مصدر الغذاء والصحة. والعمل على نشر روح الامن والامان والاطمئنان في كل مكان على وجه الأرض. فالإنسان مستخلف ومستأمن على الأرض، ولهذا على الإنسان أن يكون على قدر من العلم والمعرفة والعمل للمحافظة على الأمانة لإنماء المجتمع وإعمار الأرض، لاسيما إن عملية الإعمار للأرض وتنمية المجتمع لتشييد الحضارة ليست سهلة وبسيطة بل هي مسؤولية عظيمة تحتاج إلى جهود كبيرة جدا وتفكير وعمل شاق مستمر قائم على خطط استراتيجية وعبر العديد من المؤسسات تدار من قبل شخصيات متخصصة مخلصة وأمينة. وإلا فمصيرها الفشل والفساد وسفك الدماء كما حذرت منها الملائكة عندما قالت لله سبحانه وتعالى: ﴿ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾.
إن إقامة المؤسسات المتنوعة الناجحة في المجتمع هي من أهم الآليات لإعمار الأرض وبناء شخصية الإنسان الداخلية والخارجية «على الصعيد الروحي والعلمي والعملي» وبناء المجتمع الذي ينعم ببيئة تربوية صالحة وبجميع الخدمات التي تجعل جميع أفراده يشعرون بالامن والامان والاستقرار والاطمئنان والسعادة. والقائد الحقيقي الناجح في الأمة والوطن والمجتمع هو من يشيد مشاريع حضارية لاعمار الأرض وبناء الإنسان القادر على الاعمار، وتشييد المؤسسات الخدماتية التي تساهم في خدمة الإنسان أولا، إذ إن هذه المشاريع والمؤسسات خير دليل على الاعمار وهي بالتالي خير سند للإنسان، لان تلك المشاريع الاعمارية القائمة ستبقى متواصلة بالعطاء وخدمة المجتمع حتى بعد وفاة الإنسان القائد الذي قام بتشييد تلك المؤسسات، وكل انسان يترك اثرا وبصمة ايجابية يستفاد منها بعد وفاته هو عظيم.
والسيد فضل الله «رحمه الله» من القادة التي سيبقى التاريخ يذكرهم بفخر لأنهم سعوا للاعمار عبر تشييد العديد من المشاريع والمؤسسات الرائدة والمتنوعة التي مازالت قائمة تساهم في خدمة وبناء شخصية الإنسان وفي الامن الاجتماعي. ولهذا ينبغي على كل من يضع نفسه قائدا في المجتمع أن يسعى لاعمار الأرض عبر العديد من المشاريع ومنها المشاريع الخدماتية التي تخدم الإنسان في جميع المجالات التي تهم الإنسان «العلمية والتربوية والدينية والصحية والاجتماعية والترفيهية.. الخ». هل القيادات في بلادنا ومختلف بلاد العرب والمسلمين شيدوا مشاريع اعمارية خدماتية متنوعة تهتم بخدمة الإنسان وتنشر حالة الأمن الاجتماعي لكي يستحقوا لقب قادة؟
